ابن سبعين
437
رسائل ابن سبعين
فيها من الرموز ، وصحح أنها جعلت هناك لمنافع السالك ، فإنها تجرد هيولاه ، وتصرف أدوات إنسانه كلها ، وتهذب ذهنه وتعلم روحه كيف يقتنص معارفه من عالمه ، فافهم ، ولا تسوف همتك بمطالعة هذه الرسالة ، واشتغل بها وبكل رسالة كتبتها لك ولغيرك ، واجمعها في سفر ، وأثبت كل معنى مع الذي يناسبه ، وعجل بخدمة نفسك ، ولا تهمل مصالح أملك وجسمك ، وقل لجملتك : يا مركبة من الخير والشر والمفارق وغير المفارق والسعيد والشقي هاوديني ، وإن لم تفعلي نقابلك بطبيعة الخير ، ونتدرع بالمفارق ، ونظفر بك بأمر السعيد فإنني مجتهد . ثم قل لها : يا هذه ، هل العمر إلا كلمح ، أو إعطاء مكد لا سمح ؟ وآصالك لهو وعلل ، وأسمارك سهو وعلل ، هل سر ورد أو صدر ، إلا وساء كدر وموعده ؟ ما صح لك موعده ، مطالك مطال ، ومحالك محال ، اللّه له الحول والمحال والطول ، ومع هذا الدعاء سلاح ، والصلح مع جملتك المذكورة صلاح وطاعتك إمامك الذي هو راعي الأمم ، وهمامك المعروف عندك أنه يرشد الهمم لا يغفل عنها ، وبقدر ما تسمع منه ، وتجدك تراعي مدلول أغراضه ، تصل إلى مقصودك وتنال معرفة بدك ومعبودك ، وقد حان وقت الكلام الذي يعول على مدلوله النجيب الذي يجعل تلف نفسه ودراهمه في طلبه درء همه ، وبعد والده وجده وعمه ، ويعتقد أن الهفوات القاطعة عنده أدوى ، والهمم الجاذبة له دوا ، ويستعين على مصالحة سحرا وبكرة ، وينادم في شأنه متعلقات أغراضه وذكره ، ويبصر خط أمل العجل في خلده وقد هدم ، وصديقه الذي كان يصبر عليه قد عدم ، ويكثر في كلماته من قول : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ويقول : الأرواح الطاهرة رواحل النبيه ، والأعمار الطبيعية مراحل الوجيه ، ويعمل على مشاهدة ما يعلم ، فإن السعادة في العلم مهملة مجملة ، وفي الذوق والعلم مخصصة مفصلة ، والعلم المجرد يعطى السعادة كما تعطيها العلامات الشرعية التي يعرف معناها على الإطلاق ، وتنكر في التفصيل والتقيد ، فإن الخاتمة والعاقبة مجهولة فيها ، والحقيقة بضد ذلك ، والذوق الذي يمشي على طريق الحقيقة ، والعلم يمشي على طريق الشريعة . والسالك السعيد المعروف بالسعادة هو الذي يسلك على طريق الشريعة والحقيقة ، ويجمع بينهما في كسبه ، فإن الحكم الشرعي يقال أول الأمر إذا كلف به ، وعلى آخر الأمر إذا عرف به وهو الحقيقة في نتيجة المكلف ، وهو الشريعة في مقدمتها ، والشر والخير والكمال والسعد والنعمة والرضوان ، وما أشبه ذلك من الأسماء المترادفة ، فاصخ الآن بسمع قلبك ، واستمع ما نرسمه لك ، وانظره بعين لبك المذكور الذي هو واجب بالإضافة